السيد عباس علي الموسوي
39
شرح نهج البلاغة
هذه لا تعادل ما تغيّب عنا منه ولم تستطع أبصارنا رؤيته ولم تنته عقولنا إليه ، فإن حجب الغيب حالت بيننا وبين معرفة ما حجب عنا فإن عقولنا محدودة وأبصارنا محدودة وطاقتنا محدودة وهذه المحدودية لا تطيق رؤية كل قدرة اللّه وسلطانه وصنعه . . . ( فمن فرّغ قلبه وأعمل فكره ليعلم كيف أقمت عرشك وكيف ذرأت خلقك وكيف علقت في الهواء سماواتك وكيف مددت على مور الماء أرضك رجع طرفه حسيرا وعقله مبهورا وسمعه والها وفكره حائرا ) إعلان العجز من هذا الإنسان وأنه مهما صفّى نفسه ودقق وحقق في بعض جزئيات خلق اللّه سوف يعجز ويرجع مبهورا وقد ذكر مفردات إذا أراد الإنسان أن يفكر كيف أقام اللّه عرشه وكيف خلق الخلق وكيف هذه السماوات نراها معلقة بما فيها من نجوم وكيف كانت الأرض على موج الماء لو فكر الإنسان بهذه القضايا المعدودة الجزئية رجع بصره كليلا عاجزا وعقله مغلوبا لم يجد حلا وسمعه متحيرا وفكره حائرا لم يهتد سبيلا . . . وهذه عظمة اللّه وهذا عجز الإنسان . . . ( يدعي بزعمه أنه يرجو اللّه كذب والعظيم ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله ، وكل رجاء إلا رجاء اللّه تعالى فإنه مدخول وكل خوف محقق إلا خوف اللّه فإنه معلول ) هذا ذم لمن يدعي أنه يرجو اللّه في ثوابه وأجره وجنته ثم لا يعمل بمقتضى هذا الرجاء فإن الإمام يكذّب هذا المدعي ويقول لو كان في رجائه صادقا لظهر ذلك في سلوكه وعمله وحركة حياته فإن من يرجو عبدا من عبيد الدنيا تراه يواظب على خدمته ويسعى في كل ما يحبه ليظفر بمراده منه بينما هذا الإنسان يرجوع اللّه وهو يمارس المعاصي ويعمل الخطيئات قال تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ ربَهِِّ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ ربَهِِّ أَحَداً . . . فالعمل هو الذي يثبت صحة الرجاء وبهذا يتوافق مع تفسير الإمام جعفر الصادق عليه السلام وقد سأله أحدهم عن قوم يعملون بالمعاصي ويقولون : نرجو فقال الصادق : كذبوا إن من رجا أمرا طلبه ومن خاف من أمر هرب منه . ثم استنكر على أصحاب الرجاء بأن كل من يرجو أمرا يأتي بما يحققه ويوفره إلا رجاء اللّه فإنه لا يأتي بما يحققه كاملا فهو مدخول معيب لم يكن تاما ومحصلا للغرض كما أن كل ما يخاف من أحد يسد كل أبواب الخوف ويسعى إلى الأمن والطمأنينة إلا الخائف من اللّه فإنه يبقى على معصية اللّه والتمرد عليه . . . أو تفسير العبارة بمعنى آخر وهو أن كل خوف لا يعد شيئا مذكورا ويجب أن لا يهتم به والذي يجب أن يهتم به هو الخوف من اللّه لأنه الخوف الأسمى والأكبر والذي لا يقوى عليه الإنسان كما أن كل رجاء يجب أن لا يعتد به لأنه رجاء لأمر صغير حقير من أمور الدنيا والرجاء الذي يجب